ابن أبي الحديد
13
شرح نهج البلاغة
بل يعلم أمورا محدودة من المغيبات ، مما اقتضت حكمة البارئ سبحانه أن يؤهله لعلمه ، وكذلك القول في رسول الله صلى الله عليه وآله إنه إنما كان يعلم أمورا معدودة لا أمورا غير متناهية ، ومع أنه عليه السلام قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه برسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد كفر كثير منهم ، وادعوا فيه النبوة ، وادعوا فيه أنه شريك الرسول في الرسالة ، وادعوا فيه أنه هو كان الرسول ، ولكن الملك غلط فيه ، وادعوا أنه هو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله إلى الناس ، وادعوا فيه الحلول ، وادعوا فيه الاتحاد ، ولم يتركوا نوعا من أنواع الضلالة فيه إلا وقالوه واعتقدوه ، وقال شاعرهم فيه من أبيات : ومن أهلك عادا * وثمودا بدواهيه ومن كلم موسى فوق * طور إذ يناديه ومن قال على المنبر * يوما وهو راقيه سلوني أيها الناس * فحاروا في معانيه . وقال بعض شعرائهم : إنما خالق الخلائق من زعزع * أركان حصن خيبر جذبا قد رضينا به إماما ومولى * وسجدنا له إلها وربا ( جملة من أخبار علي بالأمور الغيبية ) وقد ذكرنا فيما تقدم من أخباره عليه السلام عن الغيوب طرفا صالحا ، ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم وهو يشير إلى القرامطة ( 1 ) :
--> ( 1 ) يرجع مذهب القرامطة إلى كبيرهم الحسن بن بهرام الجنابي أبو سعيد ، كان دقاقا من أهل جناية بفارس ، ونفى فيها ، فأقام في البحرين تاجرا ، وجعل يدعو العرب إلى نحلته ، فعظم أمره ، فحاربه الخليفة مظفر الحسن وصافاه المقتدر العباسي ، وكان أصحابه يسمونه السيد . استولى على هجر والأحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين ، وكان شجاعا ، قتله خادم له صقلي في الحمام بهجر مات سنة / 301 وانظر تاريخ ابن الأثير .